EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
التحذير من الكفر الأكبر والأصغر

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس : خلق الله جل وعلا هذه الخليقة، فكان منهم المسلم والكافر، وقد عرفنا في مجالس مضت خطر الشرك، وهكذا نعرف اليوم خطر الكفر بالله جل وعلا؛ فإنه أيضا لا يغفره الله عز وجل إلا بإسلام وتوبة، وهو أيضاً يحبط العمل، وهو أيضاً يوجب النار ويحرم الجنة.

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.

والله عز وجل توعد على الكفر بالنار وبالخلود فيها، وحرم على الجنة إلا نفساً مسلمة مؤمنة، فالكفر أمر خطير.

وكما أن الإيمان بالقلب وبالعمل وبالقول -فأركانه ثلاثة- فإن الكفر ضد الإيمان؛ يكون بالاعتقاد بالقلب، ويكون بالقول باللسان إذا قال ما دل الدليل على أنه كفر بالله عز وجل، ويكون بالعمل والفعل إذا دل الدليل على أنه كفر بالله عز وجل ولو لم يعتقد

إلا أن على المسلم أن يعلم قاعدة وهي: أن الكفر على التعميم لا يقتضي الكفر إلى التعيين، ومن أدلة ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لَعَنَ شارب الخمر، وفي البخاري عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً أُتي به وقد شرب الخمر فلعنه أحد الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَلْعَنُوهُ»، بَوَّبَ عليه الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الحدود: أن شارب الخمر لا يُلعن، أي: على التعيين، وأن شرب الخمر لا يقتضي الخروج من الملة ومن الإسلام.

والكفر كفران: أكبر وأصغر؛ أكبر: كما علمت من خطره في الآخرة، وصاحبه في الدنيا ترفع ولايته ممن ولاه الله، ولا يغسل إذا مات ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يَرِث ولا يُورَث.

وأما الكفر الأصغر: فهو دون ذلك، وهو تحت المشيئة إذا جاء العبد بأصل الإيمان وأصل التوحيد، وقد عمل من الكبائر، فهو تحت مشيئة الله عز وجل.

ومن أنواع الكفر الأكبر -والعياذ بالله- الجحود بما أمر الله عز وجل بالإيمان به، فمن جحد حلالاً أنه من الحلال، أو حراماً أنه من الحرام، فقد كفر بالله عز وجل، وهكذا كفر الشك، وهكذا كفر الاستكبار، وهكذا كفر الإعراض، وكفر الإباء، ومنه كفر إبليس: أمره الله عز وجل بالسجود فأبى فكان من الكافرين، ومنه كفر أبي طالب: دعاه رسول الله ﷺ للإسلام فأبى أن يقول لا إله إلا الله.

ومن الكفر سب الله عز وجل، وسب دينه، وسب رسوله عليه الصلاة والسلام بالنص والإجماع، قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.

ومن أنواع الكفر الأكبر -والعياذ بالله- التولي التام للكافرين ومحبتهم ومودتهم والقتال في صفهم، فإن ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. فمحبة الكافرين والثناء عليهم في مقابل ذم المسلمين وسبهم والوقيعة فيهم -كما يفعله كثير من أهل النفاق- رُدَّة عن هذا الدين، والعياذ بالله.

ومن أنواع الكفر الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل إلا بتوبة صادقة: جحود ما دل عليه دليل الكتاب والسنة من الأدلة المتكاثرة أو الأدلة المتواترة.

فمن أنكر أن الله جل وعلا يُرى يوم القيامة يراه المؤمنون، فقد أنكر ما دل عليه الكتاب والسنة؛ فإن الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وحَجَبَ عنه الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾؛ فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى وجه الله عز وجل.

«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، كذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحاح والأخبار متواترة.

وهكذا من أنكر عذاب القبر؛ فإن الله عز وجل يقول: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، وكل مسلم يقول في صلاته: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، والأدلة والأخبار في هذا متكاثرة متواترة.

وهكذا من أنكر صفات الله جل وعلا وأسماءه الحسنى التي تواترت فيها الأخبار والأدلة كتاباً وسنة، فقد كفر بالنص والإجماع.

وهكذا من أنكر أن الله عز وجل له العلو المطلق التام؛ فإنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وقد دل على علو الله عز وجل الكتاب والسنة والإجماع والفطرة ودليل العقل، فمن جحد ذلك فقد كفر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ اللَّهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.

وهكذا من الأمور المكفرة: الإيمان بالرجعة، وأن ميتاً نبياً كان أو رسولاً أو ولياً أو رجلاً صالحاً بعد أن مات وانتقل إلى دار البرزخ يرجع إلى الدنيا ليحضر مولداً أو مشهداً أو يقاتل ويقاتل الناس معه وغير ذلك، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن من اعتقد الرجعة أنه يكفر بدليل الكتاب والسنة؛ ليس ثَمَّ رجعة إلى الدنيا: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾، لا يوجد رجعة إلى الدنيا.

ومن أنواع الكفر -والعياذ بالله- سب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وتكفيرهم، واعتقاد ردتهم ونفاقهم، فمن لعن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم وسب الصحابة فقد كفر بالله العظيم؛ لأنه يسبهم لدينهم، ولأنه لا كتاب لنا ولا سنة إلا عن طريقهم، فالطعن فيهم طعن في الإسلام.

والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.

قال الأئمة: البغويُّ وابن كثير وغيرهما: استنبط مالك رحمه الله وغيره من أهل العلم كفر من سب وتغيظ من الصحابة من هذه الآية.

وفي الصحيحين عن البراء رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الأَنْصَارُ لاَ يُحِبُّهُمْ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلاَّ مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ»، والمهاجرون أفضل من الأنصار، فالذي يسب الصحابة ويلعنهم جحد بالآيات الكثيرات المشهورات في الثناء عليهم -على الصحابة- وتعديلهم ومدحهم في كتاب الله عز وجل.

وهكذا من أنواع الكفر -والعياذ بالله- سب أم المؤمنين بما برأها الله عز وجل منه، هذا كفر بسورة النور؛ ففيها آيات كثيرات في قصة الإفك وفي إبطالها، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فمن اتهم أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها بما برأها الله منه فقد كفر بالقرآن العظيم، وقد نقل الإجماع عدد كثير من أهل العلم على كفره؛ كابن العربي وابن تيمية وابن كثير وجماعات من أهل العلم.

وهكذا من أنواع الكفر -والعياذ بالله- ترك الصلاة، فالله عز وجل يقول عن المؤمنين إنهم في النعيم: ﴿يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾

وقال الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾.

وفي صحيح الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَةِ».

وفي المسند عن بريدة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ».

وفي البخاري أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ».

وفي المسند عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلاَ بُرْهَانٌ وَلاَ نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ».

وأخرج المروزي بسند صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لاَ حَظَّ فِي الإِسْلاَمِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ».

 وأخرج المروزي أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «مَنْ لاَ يُصَلِّي فَلاَ دِينَ لَهُ».

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.

أما بعد عباد الله:

والكفر الأصغر أنواع كثيرة، يجمعها: ما دل الدليل على تسميته كفراً وأجمع العلماء بدليل الكتاب والسنة أنه لا يخرج من المله، أو جاء فيه: "ليس منا"، أو جاء أنه يفعله وليس بمؤمن، وهذه جمله من الكبائر ورد فيها الدليل.

وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الكبيرة لا تخرج من المله إلا إذا دل الدليل على ذلك؛ خلافاً للخوارج كلاب أهل النار الذين يكفرون بالمعصية، يكفرون عموم المسلمين بالمعصية ويخرجونهم من الإسلام -والعياذ بالله- ولا يسمعون لدليل ولا لعالم ولا يفقهون حديثا، وخلافاً للمعتزلة الذين يخرجونهم من الإسلام، والأولون يحكمون على فاعل المعصية بالكفر الصريح ويقاتلونه ويستبيحون دمه وماله وأهله بفعل المعصية.

ومن الكفر الأصغر : كفر النعمة، قال الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وكفر النعمة كفر أصغر، ومن كفر النعمة نسبتها لغير الله عز وجل باللسان مع الاعتراف بها بالقلب، وهكذا عدم شكر الله جل وعلا عليها، وهكذا الاستعانة بها على معصية الله، فالله جل وعلا أعطاك السمع والبصر والعقل والفؤاد ورزقك من كل ما أردت وأحببت، أعطاك العافية والمسكن والرزق الحسن، فمن استعمل نعمه الله في معصية الله فقد كفر كفراً أصغر والعياذ بالله.

وهكذا من ادعى إلى غير أبيه راغباً عنه فقد كفر؛ كما في الصحيحين عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ فَقَدْ كَفَرَ»، والعياذ بالله.

وهكذا العبد الآبق عن سيده ورد فيه هذا الوعيد.

وهكذا مما ورد فيه أنه كفر أصغر وهو من كبائر الذنوب ومن العظائم: النياحة والطعن في النسب، ففي الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ -أي عند المصائب، وهذا من أعظم النوح- وَلَطَمَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»؛ دعوى الجاهلية.

وهكذا قتال المسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، وهو كفر دون كفر إلا إذا استحل دمه؛ كالذي يقتل المسلم يقول: يطلب الله، يطلب الله!! بقتل المسلم"، نعوذ بالله من ذلك، وإلا فالقتل ليس بكفر أكبر مخرج من الملة. نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، وقد سمعتم في الحديث: «وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، ولكنه كفر دون كفر، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ -سماهم مؤمنين- ﴿اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.

ومن الكفر الأصغر الذي لا يخرج من المله وهو عظيم من العظائم: النميمة والافساد والقالة بين الناس، قال عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ عَلَى زَوْجِهَا أَوْ مَمْلُوكًا عَلَى سَيِّدِهِ»، وهو في الجامع الصحيح.

وهكذا منها ايها الناس: الزنا والعياذ بالله، وشرب الخمر والعياذ بالله، والسرقة والنُّهبة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة -وهو في البخاري عن ابن عباس بزيادة- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، زاد البخاري عن ابن عباس: «وَلاَ يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، وهذه من عظائم الذنوب لكنها لا تخرج من الملة إلا من استحلها والعياذ بالله، هذه عقيدة صحيحة، ففي الصحيحين عن أبي ذر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ».

وأنواع الكفر الأصغر كثيرة، وهكذا أنواع الكفر الأكبر كثيرة، ونريد التنبيه ليحذر المسلم على نفسه؛ فإنه ربما وقع في الشرك الأكبر أو الأصغر وهو لا يشعر، وربما وقع في الكفر الأكبر أو الاصغر والعياذ بالله، فعلى المسلم أن يحقق توحيده، وأن يحافظ على إيمانه، أن يقوم بما أمر الله عز وجل من عبادته، وأن يقوم بما أمره الله عز وجل من طاعته وذكره وشكره وحسن عبادته.

نسأل الله جل وعلا أن يتوفانا جميعا والمسلمين والمسلمات على الإسلام والسنة.

ونسأل الله جل وعلا أن يهدي من ضل، وأن يرد من زل. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

اللهم اصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم اصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة، اللهم من أرادنا وببلادنا وديننا ودعوتنا وخيراتنا وإخوتنا سوءاً فاجعل تدميره في تدبيره، واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين.

والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.

والحمد لله رب العالمين.